الثلاثاء، 14 يوليو 2015

ليست مجرّد جولة



ليست مجرّد جولة
لمى خاطر

ليس سهلاً اختزال ذكرى حرب العصف المأكول في مقالة واحدة، مثلما أنه ليس من الإنصاف تناول جانب منها وإغفال آخر. فمشهد البطولة الاستثنائية تقابله تفاصيل الفجيعة التي خلّفها الإرهاب الصهيوني في قصفه الجنوني، والصورة الجهادية فائقة الفرادة لمن صنعوا سلاحهم بأيديهم وطوروا وسائله، تقابلها كارثة الحصار الذي تتواطأ على إدامته أطراف عديدة، لأن غزة ومقاومتها عوقبت وما زالت تعاقب لأجل خياراتها المقاومة، غير القابلة للتطويع أو القولبة وفق مقاسات أوسلو وشبيهاتها.

لكننا بعد مرور عام على الحرب يلزمنا أن نستعيد تلك العِبر المستترة أو التي لا تحظى بالْتفات كثيرين في سياق استرجاعهم يومياتها، بشقيها البطولي والمأساوي، فمن ناحية البطولة ما عاد هناك شكّ بأن جهازاً بحجم ووزن كتائب القسام قد غدا أميناً على المقاومة في فلسطين ومحلاً لثقة أهلها، وهو يخوض لجة الصعاب ولا ينفكّ يسجّل الإنجازات وإشارات التقدم، ويفي بعهده، ويتمسّك بسلاحه، ويحافظ على قيمة المقاومة في الوعي والتطبيق.

أما من ناحية المأساة، فإلى جانب سيل الدماء التي أسالها المحتل دونما حساب، وهو ينتقم لتهاوي أسطورة وحدات النخبة من جيشه، فهناك الدمار الذي ما زال مقيما، كنتيجة طبيعية للحصار الانتقامي والعقابي الذي تتعرض له غزة، فيما يبتعد كثير من الساخطين على تأخر الإعمار عن إدراك حدود معادلة التركيع التي يراد لغزة أن تخضع لضوابطها.

أما عن تلك العِبَر المستترة فيلزم وقت إضافي لاستعراض مسيرة المقاومة في غزة، وفهم مفاصل تكوينها وتطويرها، والإحاطة بواقع الحاضنة الشعبية للمقاومة فيها، وفهْم لماذا أقلعت المقاومة في تلك الساحة وانتكست في غيرها، فالمحطة الأخيرة للحرب لم تكن وليدة ذاتها، وكذا إبداع المقاومة ومفاجآتها وجديدها فيها، إنما كانت نتيجة أولية وثمرة سنوات طويلة من الإعداد المنظم، المستند إلى بيئة سياسية وأمنية نظيفة، والمبصر خطواته وأهدافه البعيدة والمدى الذي يرمي الوصول إليه.

ويلزم أن نتمعن في مشهد تراكم الصعوبات وتعاظم التحديات في بيئة جغرافية محاصرة، لكنها صامدة ومتأهبة ومستعدة، لأن السر ليس في جغرافيتها، بل في الإرادة التي أنتجت هذه الحالة وبوّأتها مكانة عالمية، حتى غدت غزة قِبلة المقاومة، ورهان الإنجاز، ومفتاح الانعتاق؛ الانعتاق من الارتهان للمحتل ومن الخضوع لإملاءاته، والانعتاق من التبعية للجهات التي تقدّم دعماً مسيساً ومغمّساً بذلّ المواقف واصطفافات المحاور.

ويلزم أيضاً الحرص على ألا تبقى جبهة غزة وحدها من تشاغل المحتلين وتؤرق استقرارهم، لأن مشروع التحرير الكلي سيظل أكبر من طاقتها وحدها، إنما لا بد من الدفع بجبهات أخرى، داخل فلسطين وخارجها لتحاكي تلك التجربة الفريدة، أو على الأقل لتأخذ دورها في صياغة المراحل المتغيرة مستفيدة مما لديها من هوامش وثغرات، حتى وإن بدت ضئيلة وذات أثر محدود في البداية، لأن العبرة في مجالات وآفاق التقدّم والتطور، وبدونهما سيظل الحديث عن التحرير مجرّد أحلام يقظة، وعبارة مكرورة للتداول الإعلامي الجاف.
أما ذلك العامل البشري، المتمثل في نخبة من ارتقوا من المجاهدين خلال الحرب، ففيه الزاد الحقيقي لكلّ باحث عن أسرار ذلك السموّ والاستبسال الذي رافق المجاهدين في معاركهم الاستثنائية، في عمليات الإنزال والأنفاق والمواجهة المباشرة، لأن خصائص كل عنصر منهم تتكلّم عن أصحابها وتشرح بإسهاب دوافع التفوّق وأسباب الإتقان، وعناصر الإقدام والبسالة.

(العصف المأكول) كانت جولة في مسيرة طويلة وشاقة، لكنّ دروسها ينبغي أن تظلّ حاضرة ومتداولة، حتى حين يعلو شَغَب أعداء المقاومة وخصومها في سبيل تكريس صورة المأساة دون البطولة. وعزاؤنا هنا أن أصحاب الفعل يبصرون طريقهم جيداً وقد أسقطوا خيار التراجع والجمود من حساباتهم، ووعوا قيمة ما بأيديهم، فيما يظل خصوم المقاومة سادرين في غيهم وشغبهم، بينما وزنهم الفعلي على الأرض وفي الميزان النضالي صفر كبير.

الثلاثاء، 7 يوليو 2015

ما لم تستطع السلطة إخفاءه



ما لم تستطع السلطة إخفاءه
لمى خاطر


هذه المرة، كان تبرير أجهزة السلطة لحملتها الأمنية الواسعة في الضفة أقرب لدوافعها الحقيقية من أي وقت مضى، رغم أن خطاب ناطقيها اكتنفه شيء من المراوغة والتضليل كالعادة، أو التلاعب بالمفردات، كمفردة (فوضى) التي استخدمت بديلاً عن (مقاومة). غير أن حركة فتح والسلطة أقرّتا هذه المرة بأن استهداف كوادر حماس في الضفة سببه سعي الأخيرة للتصعيد، أي تصعيد مقاومة الاحتلال، وهو أمر تراه السلطة ضاراً بمصالحها ومهدداً وجودها، كونها ما زالت تعتاش على خيرات تعاونها الأمني مع الاحتلال، وتجبي منه ثمناً وحمايةً نظير جهودها في محاربة (الإرهاب).

تذكرنا هذه الحملة التي طالت المئات من عناصر حماس ما بين اعتقال واستدعاء بحملة الاحتلال عقب عملية أسر المستوطنين الثلاثة في الخليل، حيث الاستهداف الشامل لجميع مظاهر نشاط حماس، وحيث المساس بجمهور المقاومة وكلّ متعلّقاتها، مع فارق أن الهدف العقابي كان واضحاً في حالة الاحتلال، بينما نجده في حالة السلطة متوارياً خلف تلفيق اتهامات عديدة للمعتقلين، لكي توظّف كمبرر يتيح للقضاء احتجاز المعتقلين للمدة التي يرغب بها الجهاز الأمني.

إضافة لهذا الهدف العقابي، ثمة أهداف أخرى تتوزّع بين التخويف والترهيب لعناصر حماس، ومحاولات الظفر بطرف خيط يقود لمن يقفون خلف العمليات الأخيرة التي ما زال الاحتلال عاجزاً عن كشف خيوطها، فتجربة السنوات الفائتة أثبتت للاحتلال أن السلطة كانت في بعض الأحيان أكثر (كفاءة) منه في رصد عمليات للمقاومة قبل حدوثها أو الكشف عن خيوطها، ليتولى هو إكمال بقية المهمة من اعتقالات واغتيالات للخلايا المنفّذة.

وهنا، ورغم صراحة ناطقي السلطة في حديثهم عن دوافع الحملة، إلا أنه كان لا بد من إقحام غزة في الأمر، واستنكار هدنتها (غير المعقودة أصلا) مقابل التصعيد المحتمل في الضفة، الذي تحسب السلطة له حسابات استباقية، على طريقة عبدالفتاح السيسي في حديثه عن (الإرهاب المحتمل) واتخاذه مسوّغاً لعمليات قمع واسعة وهمجية. غير أن هذا المستوى الرخيص من استغفال الجمهور والمراهنة على فساد ذاكرته لا يجدي معه التفنيد المنطقي لتهافته المتعمّد، ولعل أفضل تعليق عليه كان قول أحد الناشطين مخاطباً السلطة في الضفة: "اخطفوا لنا جزءاً من جندي واعقدوا بعدها هدنة لمدة 10 سنوات" و"أطلقوا صاروخا على تل أبيب ثم أعقبوه بهدنة". بمعنى أن المقارنة بين واقعي غزة والضفة فاسدة من الأساس، ففي غزة يتم استثمار كل دقيقة من الهدوء لتطوير وتعزيز وسائل المقاومة وإمكاناتها، أما في الضفة فإن الهدوء فيها ينتج الهوان والبلادة والوطنية ويغري بالتعايش مع وضع الاحتلال واعتياد إجراءاته على الأرض، فضلاً عن أنه هدوء مجاني ولا يُستفاد منه سوى في تثبيت تجريم المقاومة وتجفيف منابعها أو ما تبقى منها.

ولذلك فإن التفكير الوطني السليم بمشروع المقاومة ككل ينبغي أن يقود تلقائياً إلى فهم ضرورات تعافي المقاومة في ساحة الضفة، الحساسة والمهمة والمستباحة في آن واحد. وأعتقد أن حماس بصفتها رائدة الفعل الجهادي المقاوم في فلسطين توقن أن طريق المقاومة والجهاد ليس مفروشاً بالورود ولا ينبغي أن يكون كذلك، كما أن استعدادها الدائم لدفع ضريبة خياراتها الجهادية سيظل دليلا على حيويتها وعدم تحولها عن نهجها. ولذلك لا قيمة لكل صوت يحاول التبخيس من قيمة العمل المقاوم في الضفة أو يراه سبيلاً للاستنزاف، لأن النزف في سبيل إذكاء روح الجهاد وديمومة مسيرته هو القاعدة في مسيرة الحركات المقاومة وليس الاستثناء، وليس مهماً كثيراً طبيعة الجهة التي تقوم بجباية هذه الضريبة من الأعمار والأرواح، وسواء أكانت السلطة أم الاحتلال فهذا لا يغير من الحقيقة شيئا، حيث تعلو قيمة التضحية ويهبط رصيد الانسحاب والجمود والحسابات المترددة، وحيث يظهر الفرق جليّاً بين راعي المقاومة وحامي جدارها، وبين المتواطئ مع عدوّه على مواجهتها وتحييدها وإنهاكها، وتغييبها ثقافةً وسلوكاً وجمهورا.

الثلاثاء، 23 يونيو 2015

تتوقف المقاومة عند زوال مبررها



تتوقف المقاومة عند زوال مبررها
لمى خاطر


لا نبالغ إن قلنا إن حماس المجتمع الرازح تحت الاحتلال لمجابهته يتناقص غالباً مع مرور الوقت، وحين تمرّ عقود دون تحرير، وحين يصبح وجود الاحتلال جزءاً من المألوف، أو حين تنشأ أجيال جديدة والاحتلال قائم في واقعها، ولم تعايش ما قبله، أو تعاين حجم ما سُلب منها، ماديا ومعنويا.

وليس غريباً أن تفرز حالة الجمود في الواقع الفلسطيني تبرّماً من أعمال المقاومة (المتباعدة زمنياً) لدى فريق من الجمهور تضاءلت غاياته لتغدو مجرد الحفاظ على الاستقرار المشوّه والهشّ والانفراجات الحياتية التي يقدّمها المحتل من حين لآخر، والتي تبدو لهذا الفريق مكتسباً كبيراً يستحق أن تؤجّل المقاومة لأجله أو تصنّف كخيار جالب للخسارة.

ومع إدراك أن أي مجتمع أو شعب لا يمكن أن يكون على قلب رجل واحد، في الفهم والقناعات والاستعداد لتحمّل تكاليف مواجهة محتليه، إلا أن ما نلاحظه من فتور (بغض النظر عن حجمه) في الساحة الفلسطينية ليس مردّه هذه المسلّمة وحسب، وباستعراض للمراحل الفلسطينية المعاصرة نجد أن السلطة المنبثقة عن اتفاق أوسلو لعبت دوراً محورياً في تمييع المفاهيم الوطنية وإفراغها من مضمونها، بل وفي تجريم المقاومة وإقحامها في جدليات العبثية والمسارات المهلكة، وكل ذلك يتم تحت تلك اللافتة المضللة (المصلحة الوطنية العليا)، وصولاً إلى بثّ ثقافة تقوم على تصوير أعمال المقاومة كمدخل لسفك الدماء وتدمير (مقدّرات) الشعب واستعداء العالم والخوف من الوسم بالإرهاب، ونحو ذلك.

بعد عمليات الثأر للمهندس الشهيد يحيى عياش عام 1996 طفت مثل تلك الحالة السلبية على السطح، وغذّتها السلطة مستفيدة من نفوذها وسيطرتها على وسائل الإعلام، فتم تضخيم حجم أفكار الانهزام الشاذة لتبدو كأنها تمثل مزاجاً عاماً مناوئاً للمقاومة. واليوم يحدث أمر مشابه بعد تحوّل عمليات المقاومة الفردية إلى ظاهرة، مع فارق جديد هو وجود مواقع التواصل الاجتماعي، إذ يكفي أن ينشر بعض الأشخاص منشورات معدودة تتهجم على المقاومة وتشكك في جدواها أو تتطاول على أبطالها لكي تطوف المجتمع الإلكتروني كله، ولتتباين ردود الفعل عليها ما بين مستهجن ومؤيد أو متجرئ على محاكاتها.

إن كان مفروغاً منه بأن الفئة المقاومة أو حاملة السلاح في أية ساحة تمثّل أقلية نادرة، فإن ما ينبغي الالتفات له بأن جمهورها ينبغي أن يظل مشكلاً الغالبية، وأن يكون تأييدها ممثّلاً المزاج العام داخل المجتمع، فدور الحاضنة الشعبية للمقاومة في أية معركة لا يقل أهمية عن دور المقاومة نفسها، لأن هذه الحاضنة تساهم في دفع الثمن وتحمّل تكاليف المواجهة، وحين يغدو نفسها قصيراً سينعكس الأمر مباشرة على ديمومة المواجهة وسيُفضي بها إلى التآكل.

ولذلك، لا ينبغي الاطمئنان دائماً بأن المجتمع تحت الاحتلال سيظل محتفظاً بحيويته النفسية وبإدراكه لأصول المعركة وتكاليفها، وطبيعة غايته وضروراتها، وواجب فصائل المقاومة الحية أن تتنبّه لهذا الخلل حين تلاحظ تجلّياته، وألا تخضع مسارها لبعض الاعتبارات القاصرة، بل أن تُعنى بالتعبئة الجهادية والمعنوية على الدوام، وأن تحرص على إبقاء المزاج العام متعافياً من الشوائب الطارئة، ومن الأفكار التي تزيّن الانهزام أو (تعقلنه) أو تنشغل بالترويج للمسارات غير المجدية والمفضية إلى السراب في إطار مشروح التحرير.

تتوقف المقاومة عند زوال مبررها، هذا ما ينبغي أن يكون حاضراً في وعي العامة، وإن كان مفهوماً أن تمر المقاومة بمراحل هدوء، فينبغي أن يكون هذا بإرادتها ووفق رؤية تتيح لها استثمار وقت الهدوء للتعافي والتطوير والتجديد، لكن ما يحدث في الضفة الغربية الآن أن المقاومة متوقفة بدافع القهر والاستباحة والملاحقة المزدوجة من قبل السلطة والاحتلال، وأن الهدوء فيها يجلب جموداً وتيهاً واستصعاباً للتضحية، وهو ما يعني بأن أية محاولة لنسف هذا الواقع أو تغييره يجب أن تكون مقدّرة ومبجّلة، حتى لو كانت على حساب مكتسبات بائسة واستقرار موهوم.

الثلاثاء، 16 يونيو 2015

عن المرأة في ظلال الثورة



عن المرأة في ظلال الثورة
لمى خاطر


ما زالت تلك الصورة النمطية حول دور المرأة في ظلّ أية ثورة أو حالة جهادية تقيّد من يتوقف ليتناولها أو يتحدث عنها، وهي صورة تتراوح بين التنظير المثالي الذي يكرّس همّه لإبراز دور بطوليّ متخيّل (في الغالب) للمرأة المشاركة بنفسها في المعركة كنوع من تقديرها (وفق تصور القائمين عليه)، وبين التركيز على معاناتها ومأساتها بشكل سطحي، يُعنى بالأرقام ووصف الحالات الأكثر مظلومية، أكثر من اعتنائه بالبحث عما وراء الحالة وما يجب أن تكون عليه، أو ما تفرزه تلك الوقائع من سلبيات أو إيجابيات على واقع المرأة والأسرة بشكل عام، أو البحث في كيفية تأهيل المرأة والأسرة في ظلّ الأحداث الكبرى التي تصادفها مسيرة الأمة في جميع ساحاتها.

في كلّ حديث عن بطولات الرجال أو عن جانب المحنة في مسارهم يندر أن يلتفت أحد إلى الجانب الآخر لقضية كل رجل؛ مجاهداً كان أم شهيداً أم أسيرا، أي المرأة في محيطه، أماً أو زوجة أو أختاً أو ابنة، أو أسرة بشكل عام، رغم أن هذا الجانب الآخر الذي يشكل ظلّ كل حالة تكتنفه مسؤوليات شتى، معنوية ومادية، لأن تلك المحاضن التي تمد الثورات والمعارك بالمجاهدين لا تتكوّن من الفراغ، ولا يمكن تجاهلها في خضمّ تناولنا مفاصل النهضة الجهادية داخل الأمة، لأن أماً أو زوجةً ذاهلة عن نداء الواجب وعن متطلّباته لا يمكن أن تعين الرجل في محيطها على التقدّم، ولا أن تمنحه الاطمئنان النفسي إذا ما قرر خوض لجة الثورة، خصوصاً إذا كان المسار طويلاً ومرهقاً ويتطلب صموداً كبيراً وتفانياً استثنائياً في سبيل الوصول للغايات العظيمة.

وهنا يكون الالتفات للمرأة شأناً ضرورياً وليس ترفاً يُطرح على هوامش القضايا، فالمرأة في هذا الموقع، أي في محيط الرجل المجاهد والمستعد للتضحية لا تستحق فقط التقدير والثناء، بل إن هناك مسؤوليات كبرى تفرض على الآخرين من غير حاملي السلاح أن يحيطوا هذه الأسر بكل أشكال الرعاية المتاحة، ولعلّ الساحات التي يطول فيها أمد الاحتلال أو الاستبداد يتبيّن فيها جيداً أثر التقصير مع ذوي بعض رموز الجهاد والمقاومة، وكيف أن الاهتمام بالرمز والغفلة عمن خلّفه من أهل بيته يفرز إشكالات كثيرة، ويسيء في مراحل لاحقة لهذا الرمز، ويبيّن حجم العيوب التي ينتجها التعاطي القاصر وغير الشامل مع حالة المقاومة ورموزها وشهدائها وأسراها، فهذه الثلة هي خميرة الثورات الحقيقية، ومن أعمارها يتصاعد الفجر شيئاً فشيئا، وعلى دمها يتغذى وينمو، لكنها ليس حالات معزولة عن نطاقها الاجتماعي، ولا تقف حدود مسؤولية المجموع عند الاعتناء بالرمز المضحي وإغفال الشريحة التي دعمته ابتداءً ثم كابدت آثار غيابه شهيداً أو أسيرا.

في الجانب الآخر، تبدو الحاجة ماسة لتعزيز قيمة التضحية وكنه رسالتها داخل كل مجتمع يعيش حالة جهاد وتضحية، لأن المدد البشري اللازم لتغذية هذا المسار في جميع المراحل سيتناقص مع الوقت إذا تُرك الأمر دونما إعداد أو عناية بمتطلباته. ذلك أن الاستعداد للتضحية لا يكون دائماً في أوجه ولا كحاله في بداية الثورة أو الحالة الجهادية. وهنا تبرز أهمية الاعتناء بذلك العنصر الغائب مجددا، أي المرأة والأسرة، فالإعداد والتعبئة ينبغي أن يبدءا من عندها، وإبصار تكاليف المسيرة لا بدّ أن يكون هناك، ومثله الوعي والفهم للدور الذي لا يجوز أن يقف عند حدود الصبر على البلاء عند حلوله وحسب، بل تجاوز ذلك إلى إدراك عظمة مسؤولية التربية والإعداد ودفع الرجال لساحات الجهاد، والتثبيت لا التخذيل، وهو دور ستسحن المرأة أداءه إن أُحسن أعدادها له وتم تهيئتها لتكون سارية في المعركة وركناً أساسياً في مسارها، وليس فقط عنصراً متلقياً للصدمات ومرغماً على تجرّع آلامها والبكاء على جراحاتها.

الاثنين، 8 يونيو 2015

حالة استنزاف



حالة استنزاف
لمى خاطر


في تفاصيل الأحداث التي طرأت مؤخراً على واقع غزة، ومسارعة كيان الاحتلال للرد بقصف مواقع للمقاومة بعد إطلاق بضعة قذائف على مستوطنات غلاف غزة تبدو معالم المعادلة على جبهة غزة قاسية وصعبة، وتستدعي تفكيراً بعيد المدى بواقع المقاومة ككل، ومدى إمكانية الحرص على استمرارها وفق نمط مختلف عن حالة الحروب الأخيرة.

ولعل مشروع المقاومة يُظلم كثيراً حين يُحصر (فلسطينيا) في غزة بواقعها وتعقيداتها وحصارها وصغر مساحتها، ثم حين يكون مطلوباً من المقاومة فيها أن تُبدع تكتيكات عالية المستوى وتستنزف جهوداً كبيرة لمفاجأة المحتل والتغلب على نقاط تفوّقه في جولات المواجهة التي بات معروفاً أنها لن تتوقف وستتجدد كل بضع سنوات، ما دامت حماس في غزة ترى في المقاومة عنوانها الأبرز ومنهجها الذي لن تتحوّل عنه.

صحيح أن الاحتلال يعي جيداً كلفة مغامرته بشن عدوان مفتوح جديد على غزة على غرار الحروب الثلاث السابقة، وصحيح أن تطور إمكانات وتكتيكات المقاومة وخصوصا كتائب القسام خلال الحرب الأخيرة ساهم في ردع الكيان عن الاستباحة المزاجية لقطاع غزة، لكنه في المقابل لا يمكن أن يغفل عن التطورات التسليحية في واقع المقاومة، أي استفادتها من عامل الزمن لترميم بنيانها وتوسيع نفوذها وتعزيز قدراتها. وهو ما يعني أن قطاع غزة سيظلّ مستهدفاً بشدّة ما دام حال المقاومة فيه لم يتغيّر، وما دام بعيداً عن التورّط في خطيئة التعاون الأمني مع المحتل وتواطؤ سلطته مع عدوّها على ذبح المقاومة وتجفيف منابعها.

فالحالة الراهنة تشير إلى أن غزة باتت جبهة المقاومة الوحيدة التي تهدد أمن الاحتلال، وأن حدوده الأخرى كلها في مأمن، بعد انسحاب حزب الله من معادلة المواجهة وتورطه في المشروع الإيراني في عدة ساحات، أما واقع الضفة والقدس ومناطق 48 فيتحدث عن نفسه، ولا يشي بإمكانية استعادة دوره في المواجهة على المدى القريب، إلا من عمليات متفرقة ومتباعدة وفردية الطابع في غالبها، نظراً لفقر الإمكانيات التسليحية والتخطيطية السليمة للعناصر المستعدة لحمل عبء استكمال مشروع المقاومة في هذه المناطق، وإحكام القبضة الأمنية فيها من قبل الاحتلال والسلطة على حد سواء، والتي توظف جهوداً كبيرة في إبقاء جدار (الأمن المطلق لإسرائيل) خالياً من أية ثغرات.

غير أن ساحة الضفة والقدس، كما ساحات أخرى على مستوى الأمة، ستكون حيوية لاستئناف مسيرة المقاومة والإثخان في المحتل أكثر من غزة في حال تغيّر واقعها،  ذلك أن مشاغلة الاحتلال على عدة جبهات في وقت واحد من شأنها أن تفرض معادلة جديدة على واقع فلسطين والأمة عموما، ولعلّ المشهد الميداني في مراحله النهائية سيتجه لهذه الحالة، ولذلك نفهم مثلاً الجزع الذي يبديه الكيان الصهيوني من إمكانية سقوط نظام الأسد وسيطرة مجاهدي سوريا على أسلحته الثقيلة، أو من التصدع في جدار الانقلاب في مصر، وهو الذي قدم للكيان خدمات أمنية جليلة بعد حصاره الدامي لغزة وتجريمه مقاومتها.

مفهوم طبعاً بأن حرب الأمة مع طواغيتها والعادين عليها تستنزف وقتها وتفكيرها وجهد مجاهديها، وأن الطريق إلى فلسطين لن يمر من تحت رايات الأنظمة التي حمت إسرائيل على مدار عقود، لكن مشاغلة هذا الكيان في ساحات عدة ينبغي أن تكون حاضرة في تفكير وتخطيط من يحملون مفاهيم تحرير الأمة أو يتطلعون إلى القدس كمحطة أخيرة لمشروعهم الجهادي التحرري، لكن الضفة الغربية (بما فيها القدس) تظلّ الساحة الأكثر حيوية وافتقاراً لنمط مقاوم يعيد لها وهج أيامها حين كان الاشتباك قاعدة في تاريخها وليس استثناء، لكن هذا يتطلب أولاً أن تعي حركات المقاومة وعلى رأسها حماس ضرورة أن يكون استثمارها الأهم في هذه الساحة هو في المقاومة وليس في أي شيء ثانوي آخر، وحينها سيصبح الاستنزاف (الحاصل في كل الأحوال) مجدياً ومغيّراً وليس مجانياً وعبثياً كما هو حاله منذ سنوات.