الثلاثاء، 11 أغسطس 2015

نفير الأسرى وإضرابهم



نفير الأسرى وإضرابهم
لمى خاطر


من جديد؛ تعود سجون الاحتلال وما يجري فيها إلى صدارة المشهد الفلسطيني، ويعود معها إصرار الأسرى على رفع لواء الكرامة من داخل الزنازين، وتحدي إجراءات الاحتلال الأخيرة الرامية إلى فرض سياسات التضييق عليهم والعقاب الجماعي، وحملهم على العيش في ظروف سيئة وعلى التسليم بأن المحتل ما زال يملك اليد العليا وأن قوّته غير قابلة للهزيمة، لا سيّما بعد أن بات معروفاً أن نضالات الحركة الأسيرة على مرّ تاريخها كانت كفيلة بتحصيل كل الحقوق الإنسانية – ولو في حدّها الأدنى – من بين براثن السجان.

إجراءات التضييق الأخيرة التي ينتهجها الاحتلال بحق الأسرى تأتي إفرازاً لأزماته العديدة على صعيد هذه القضية، كإضرابات الأسرى داخل السجون - فرديةً كانت أم جماعية – وضربة الانكسار التي تعرّض لها عقب عملية وفاء الأحرار التي تحرر بموجبها نحو 2030 أسيراً من سجون الاحتلال، ثم ما رشح من نتائج لحرب العصف المأكول على صعيد أسرى الاحتلال لدى كتائب القسام، وهو تطوّر يعني أن الاحتلال سيضطر عاجلاً أم آجلاً للخضوع لمقتضيات هذه الحالة ثم التفاوض للإفراج عن أسراه مقابل أسرى فلسطينيين، وهو يعني أن لاءات إسرائيلية جديدة سيتم كسرها وتجاوزها، وسيكون الاحتلال مجبراً على دفع أثمان أعلى من السابق إن تبيّن أن هناك مفاجآت على صعيد عدد وحالة أسراه لدى كتائب القسام.

واليوم، يحاول الاحتلال الاستفراد بالأسرى لديه في السجون وفرض سياسة الأمر الواقع عليهم، وإرغامهم على الكفّ عن كل مظاهر الإضراب والعصيان داخل السجون، إضافة إلى محاولاته تصعيد العقوبات وسياسات التضييق عليهم بحيث تكون هذه القضايا المطلبية على طاولة تفاوض صفقة التبادل مع المقاومة في المستقبل، لكي تكون بديلاً عن مطالب أخرى تراها المقاومة أكثر أهمية.

وحين يُشرع الأسرى لواء تمرّدهم من داخل السجون، فهذا يعني أنهم يرفضون التماشي مع إملاءات المحتل وسياساته الجديدة، وهو ما يتطلب من حركة الميدان أن تكون مساندة وجاهزة للتصعيد، بحيث يكون هناك صدى لصرخة الزنازين يتجلى في الميدان داخل فلسطين وفي الإعلام والمتابعات السياسية والحقوقية على صعيد خارج فلسطين.

لكن الميدان يحمل الضمانة الأهم لنصرة الأسرى في معركتهم الجديدة، والتي لن تكون الأخيرة، إذ بمقدار ما يُبديه من حمل للقضية وجعلها عنواناً للتصعيد مع الاحتلال، سيحسب الأخير حساب المآلات، خصوصاً مع اليقين بمدى حرصه على بقاء الميدان ساكناً ومشلول الإرادة.

لكن الخشية الآن هي من كونه –أي الاحتلال – قد اطمأن إلى أن حراك الميدان سيظل ضئيلاً ومعزولاً وغير قابل للتصعيد، وذلك بناء على تجارب سابقة، رغم أن الحراك الميداني الذي رافق الإضراب السابق عام 2014 كان جيداً إلى حدّ ما، لكنه لم يصل مرحلة التهديد الواسع لأمن الاحتلال وحمله على دفع الثمن، باستثناء عملية أسر المستوطنين في الخليل، التي جاءت بعد تنكّر الاحتلال لمطالب الأسرى واستمرار الإضراب لنحو شهرين، وهو أطول إضراب جماعي في تاريخ الحركة الأسيرة.

الشارع الفلسطيني بات أمام اختبار جديد، تجاه قضيته ومسؤولياته الكبرى نحوها وعلى رأسها قضية الأسرى، مضافاً إليها قضية انتهاك الأقصى واعتداءات المستوطنين اليومية في مناطق الضفة الغربية، والأيام القادمة كفيلة بأن تفرز نتيجة هذا الاختبار، بجميع أبعاده.

الاثنين، 3 أغسطس 2015

على صفيح ساخن، وخارج دائرة الفعل



على صفيح ساخن، وخارج دائرة الفعل
لمى خاطر



للوهلة الأولى يبدو أن العنوان يحمل تناقضاً أو تغريداً في اتجاهين متعاكسين، لكننا حين نسقطه على واقع الضفة الغربية اليوم، ومنذ سنوات، سنجد أن هذا هو ملخّص حالها، فعوامل الانفجار وضرورات المجابهة فيها قائمة، لكن يديها مكبّلتان وفعلها بطيء ومتناثر، وهو ما أفرز حالة من الجمود العام أشلّت جميع مفاصل التحرّك فيها.

في شهر أكتوبر من العام الماضي (2014) وعقب الاقتحامات الصهيونية المستمرة للمسجد الأقصى بدأت تتشكل ظاهرة العمليات الفردية في القدس والضفة، وتوزّعت ما بين طعن ودهس وعمليات إطلاق نار بسلاح غير متطور، ورغم كثرة هذه العمليات وتتابعها إلا أنها لم تكن كافية لتحدث فارقاً يؤسس في الوعي قناعة بأن مقاومة الضفة قد استعادت زمام المواجهة، رغم أنه لو كان متاحاً لكل واحد من أولئك الأبطال منفذي العمليات الفردية أن يحوز حزاماً ناسفاً أو يمتلك سلاحاً متطوراً لكان الأثر المتشكّل من تكرار تلك العمليات ضخماً وواسعا، ولكانت الضفة الآن على أبواب مرحلة جديدة مختلفة المعالم، والأمر ذاته ينطبق على عديد الخلايا التي تشكّلت في السنوات الأخيرة ولم تتمكن من تنفيذ أكثر من عملية قبل اكتشافها، أو عاجلتها يد مخابرات الاحتلال أو التنسيق الأمني وهي في طور النشوء وقبل أن تترجم فعلها على الأرض.

واقع الضفة اليوم سبق أن لخصه أحد الأسرى حين قال "إن من يطالبها بفعل الإنجازات القتالية كمن يطالب سيارة بلا وقود بالتحرك"، والوقود الذي تعوزه الضفة الآن هو السلاح والخبرات التصنيعية العسكرية وأدواتها المختلفة، إلى درجة أن بعض المبيدات الزراعية محظورة بقرار من الاحتلال والسلطة لمجرد أنها قد تستخدم في تصنيع المتفجّرات.

ولذلك تبدو المقارنة بين حالَي الساحتين الساخنتين في فلسطين (أي الضفة وغزة) عبثية وغير مجدية ولا نتيجة لها سوى تعزيز النعرة المناطقية، لأن المقاومة كفعل جهادي لا علاقة لها بخصائص السكان أو اسم المكان، بل بمنهجها أولاً ثم الظروف الأمنية والسياسية والميدانية المتوفرة في كل ساحة، ولذلك قلنا إن الفعل الجهادي ابن منهجه وليس ابن ساحته، ولذلك أيضاً تطورت المقاومة في غزة في ظل حماس وبعد تحرير غزة، وانكفأت في الضفة نتيجة القرار المزدوج بإجهاضها من قبل الاحتلال وسلطة فتح، التي ترى أن المقاومة عامل تدمير ذاتي للشعب ومقدراته، كما صرح محمود عباس أكثر من مرة.

ولذلك أيضا، فقد تنبّه بيريس خلال حرب غزة إلى عنصر السيطرة وأجندة السلطة الحاكمة في كل ساحة حين قال "إن الحل الوحيد مع غزة هو أن يحكمها شخص مثل محمود عباس"، وهذا لأن أجندة اتفاق أوسلو من شأنها أن تشوّه معالم أية مرحلة وأن تعيق نهوض طلائعها حينما تتمكن وتسيطر.

فالمقارنة والتوقعات من كل ساحة ينبغي أن تأخذ بالاعتبار اختلاف الواقعين السياسي والجغرافي والأمني والميداني، وهي كلها أمور تغيب عن بال السطحيين الذين امتهنوا الهجاء والمزايدات وإطلاق المطالبات، وصولاً إلى الاعتقاد بأن المقاومة في الضفة تملك ما تقدمه لمشروع التحرر من الاحتلال أو الرد على جرائم المستوطنين، لكنها تمتنع عن ذلك أو تجبن عنه!

وهنا علينا أن نتذكر أنه حين كان الحال متشابهاً إلى حد ما بين واقعي غزة والضفة، أي حتى ما قبل عام 2007، كان الفعل الجهادي هنا وهناك متوازياً ومتساويا، بل إن الضفة تفوقت في العمليات الاستشهادية التي كانت توقع خسائر كبيرة في صفوف المغتصبين الصهاينة، وهذا التفوّق أيضاً لم يكن بسبب أفضليتها في ذلك، بل لظروفها الجغرافية وإمكانية وصول استشهادييها إلى عمق المدن المحتلة، وذلك قبل عملية السور الواقي الصهيونية التي عملت على تصفية رموز الخلايا المسلّحة بالتدريج، وصولاً إلى استقدام مشروع (دايتون) إلى الضفة، بعد إخفاقه في غزة.

كل هذه الاعتبارات تغيب في مواقف الغضب وما يعقبها من هجائيات جماعية، وتجعل المشكلة في خصائص السكان في ساحة الضفة، فيما يتم تحييد خصائص أو منهج السلطة الحاكمة وإغفال خطورة دورها وكيف أنها تملك كثيراً من مفاتيح التغيير، والتطور أو التراجع للمجتمع، وتملك - لو أرادت - أن تحيّد الفئة المتخاذلة في المجتمع وتعلي من شأن المقاومة ثقافةً وسلوكا، ولذلك قلّ أن يدرك كثيرون بأنّ الإشكالية القائمة في المشهد الفلسطيني ليست مناطقية، وأن السر ليس في خصائص السكان، لأن هؤلاء السكان ليسوا كتلة واحدة ذات خصائص نفسية واحدة، بل إن السرّ في مجموع الظروف والسياسات التي تهيمن على كل ساحة، وتعلي من شأن المقاومة أو تطيح بها.

وما دام الظرف الميداني والسياسي كحاله الآن في الضفة، فليس لنا أن نتوقّع انتفاضة مماثلة لسابقتيْها، إلا أن امتلاك إرادة الفعل لدى نخبة المقاومة في المجتمع من شأنها أن تُفضي إلى أشكال وآليات مختلفة في مواجهة الاحتلال، وهي أشكال قد تظلّ محل استخفاف ما دام الرأي العام مطبوعاً على توقّع هبة شعبية تُشابه ما ألفه واعتاد عليه فقط.

الاثنين، 27 يوليو 2015

بين يوم القدس واقتحام الأقصى



بين يوم القدس واقتحام الأقصى
لمى خاطر

لم تكن فترة زمنية طويلة تلك الفاصلة بين (يوم القدس العالمي) الذي اصطلح (إيرانياً) على أن يكون في آخر جمعة من شهر رمضان كل عام، وبين اقتحام المستوطنين وجنود الاحتلال الصهيوني ساحات المسجد الأقصى بدعوى إحياء أكذوبة (خراب الهيكل).

في (يوم القدس العالمي) هذا العام، كان إحياء إيران وأركان حلفها للمناسبة في غاية الركاكة والجفاء، فحضور القدس بقيمتها المعنوية والأخطار المتصاعدة حولها كان باهتاً ومصطنعا، لدرجة أن وسائل الإعلام المحسوبة على إيران أو المقربة منها كانت تبحث عن حضور إيران في يوم القدس في ساحات العالم المختلفة، وليس عن القدس في يومها المُفترض، وهكذا فإن القدس التي تغيب بالكامل عن أجندة الحلف الإيراني تعود لتُستحضر في يوم يتيم في السنة وبأسلوب مبتذل، بحيث تغدو كل معارك هذا الحلف في أية بقعة في العالم كأنما تفتح طريقاً نحو القدس، كون حلفاء إيران في المنطقة ما زالوا يرونها وصيةً على مقاومة الاحتلال الصهيوني وصاحبة الحق الحصري في تصنيف الأفراد والتيارات والأنظمة خارج أو داخل دائرة الانتساب لمشروع المقاومة.

كان التطور هذا العام بأن نكتشف أن طريق القدس لا تمر فقط من الزبداني ودمشق كما قال حسن نصرالله، بل حتى من جميع مشاريع إيران وحروبها في العراق واليمن، ومن عدوان الحوثيين أيضاً في اليمن، ثم اختزال الشعب اليمني بتاريخه وقيمه العامة في هذه الفئة القليلة لكن الحائزة على صكوك الغفران بمفهومها الإيراني.. وكل هذا لأجل عيون القدس، بل إن (عبدالملك الحوثي) اجتهد يومها في خطابه الذي سبق خطاب نصرالله في التأكيد على أن كل من يقاوم الحوثيين في اليمن يخدم سياسات إسرائيل، وكرر كلمة إسرائيل تقريباً في كل جملة من خطابه، في محاولات مستميتة لإلحاق مشروع الحوثيين وإيران في اليمن بمشروع المقاومة ومنازلة إسرائيل، وهو ما عبر عنه نصر الله بأسلوب لا يختلف كثيراً عن تلميذه الحوثي، ولكن عبر آلية عرض أكثر دعائية، نظراً لعامل الخبرة الذي يتفوق فيه الأول.

انتهى يوم القدس، وتوقف معه الاهتمام الإيراني بها، وذهبت الخطابات إلى حال سبيلها، لأنها كانت فقط حاجة إعلامية دعائية، يتم الاعتناء بتزيينها لمثل هذا اليوم، ثم يمضي بعدها المشروع الإيراني ومعه أولويات حزب الله نحو بؤر بعيدة عن حدود فلسطين وساحات الأقصى.

ومع الاقتحام الصهيوني الجديد للأقصى لنا أن نتوقع الآن مضامين اللغة التي ستكتنف خطاب الحلف الإيراني في تعاطيه مع الحدث، حيث سيتم التركيز على هجاء العرب والنظام الرسمي، رغم أن هذا النظام الخائب المستسلم لا يقدم نفسه حامياً للقدس ومدافعاً عنها، ولا يصنف نفسه خطراً وجودياً على إسرائيل كما وصف نصر الله إيران، وسخّف بطريقة معمّاة فصائل المقاومة الأخرى، جاعلاً خطرها محدوداً وعابراً مقابل الخطر الإيراني (الوجودي) على إسرائيل.

الإشكالية هنا، أن الحلف الإيراني في ابتعاده التام عن قضية فلسطين وهمومها، والأقصى والمخاطر المحيقة به، لا يمتلك الشجاعة والمصداقية ليعترف بأولوياته الجديدة وطبيعة أجندته واهتماماته الحالية، بل نراه يصرّ على إقحام ادعائه الالتزام تجاه فلسطين والقدس في كل خطواته حتى تلك الإجرامية، أما حين يَصعد نداء الواجب ويعلو صوت المطالبة بالفعل عند كل مجزرة في فلسطين أو اقتحام للأقصى فلا نسمع من هذا الحلف غير هجاء متواصل للعرب الرسميين وتبيان لتآمرهم على قضية فلسطين وخذلانهم إياها، رغم أن هذا الخذلان أمر مفروغ منه ومعلوم بالضرورة منذ عقود، والتأكيد عليه ما عاد يضيف قيمة للخطاب أو تبرئة من المسؤولية لمن يتحدث به، عدا عن أن العرب الرسميين لم يقولوا يوماً إنهم سيحررون فلسطين وسيلقون بإسرائيل في البحر، ولم يصنفوا أمريكا شيطاناً أكبر، بل إن بعضهم متصالح مع خيبته وتبعيته لأمريكا، ويقر بجبنه وانخفاض سقفه. ولكن ماذا عمن يبررون كل معاركهم داخل الأمة بأنها لأجل عيون فلسطين والقدس ثم يغيبون عند كل عدوان عليها وكل استباحة للمقدسات؟!

تلك هي التجارة كما امتهنها أركان الحلف الإيراني في المنطقة، وهذا هو الاحتكار في أبشع صوره، التجارة المزمنة بقضية مقدسة، واحتكار ادعاء الاهتمام بها، ولكن دون أن يضيف هذا الاهتمام المزعوم لها شيئاً في المراحل الفاصلة، وعند احتياجها الفعل والإعانة.

الثلاثاء، 21 يوليو 2015

من سلواد إلى (أبو مطيبق)



من سلواد إلى (أبو مطيبق)
لمى خاطر


لم يكن أواخر آب من العام الفائت (2014) منتهى حرب العصف المأكول، فلم تُطوَ صفحتها بإعلان وقفها، لأن ثمة هزات ارتدادية لها ما زالت تتجلى حتى اليوم، ويتوقع أن يطول أمدها وهي تقدّم مفاجآت عديدة من حين لآخر، وتظهر جانباً مما كان مستوراً خلال الحرب، أو تعمّدت كتائب القسام الصمت عنه وقتها، لتظهره في مراحل لاحقة.

فيلم (خلف الخطوط) الذي بثته كتائب القسام قبل يومين وكشفت فيه تفاصيل اقتحامها موقع (أبو مطيبق) العسكري خلال الحرب لم يكن العملية الفريدة الوحيدة، فهناك عشرات غيرها، بعضها موثق بالتصوير، فيما كشف الاحتلال تفاصيل بعضها الآخر، لكنها جميعاً أكدت حقيقة تفوّق القسام العملياتي خلال الحرب، ومدى التطور والأداء المتقدم الذي بلغه عناصر الكتائب، إضافة لجرأتهم على الاقتحام وكسر كثير مما يبدو مستحيلاً أو خارج حدود القدرة على الاستهداف.

والأهم من ذلك أن نهاية ارتدادات الحرب ستظل مفتوحة إلى حين إتمام صفقة تبادل الأسرى، مع كل ما ستكشفه الأيام قبل تلك اللحظة من معلومات حول عدد ومصير أسرى الاحتلال لدى حماس، ليس فقط لأن كل معلومة بثمن، بل لأن اضطرار الاحتلال مؤخراً للاعتراف بفقده عناصر حية في غزة قد بيّن أن المعادلة على تلك الجبهة قد تغيّرت بالكامل، ولم يعد الاحتلال صاحب اليد العليا الباطشة دونما حساب، وغير القابلة للإيلام.

وبالتزامن مع ذكرى الحرب كانت المفاجأة على الساحة المقابلة للمقاومة، أي الضفة الغربية، مع إعلان الاحتلال كشفه عناصر الخلية التي نفذت مؤخراً عدة عمليات ضد المستوطنين الصهاينة في الضفة، حيث تبيّن أن الخلية من بلدة سلواد قرب رام الله، لكن المفاجأة غير المدهشة أن عناصرها لم يكونوا جميعاً رهن الاعتقال لدى الاحتلال، بل إن اثنين منهم هما أحمد الشبراوي ومعاذ حامد معتقلان لدى مخابرات السلطة في رام الله، وذلك منذ حملة الأجهزة الأمنية ضد عناصر حماس في الضفة خلال شهر رمضان، وعقب تزايد وتيرة عمليات إطلاق النار على سيارات المستوطنين في الضفة.

استهداف السلطة مجاهدي المقاومة ليس جديدا، فهو سياسة منتهجة منذ اتفاق أوسلو، وفقاً لمقتضيات التزامات السلطة الأمنية، لكن تلك السياسية القذرة توقّفت في غزة منذ عام 2007، بينما ظلّت مستمرة في الضفة، وغدت خلايا المقاومة عرضة للملاحقة والاستنزاف على جبهتين، مما أسهم في إفشال محاولاتها للتقدّم والتعافي وتجاوز العثرات. 

فضيحة اعتقال المجاهدين وتعذيبهم ومحاسبتهم والتناوب مع الاحتلال على ملاحقتهم تتحدث عن نفسها، لأن تجلياتها يومية ولا قِبَل لقادة السلطة بإنكارها، وفي المقابل فإن أمثولة صعود نجم المقاومة في غزة تتحدث عن نفسها وعن رعاتها، وعن أسبابها وآثارها.

من سلواد إلى (أبو مطيبق) يبدو واضحاً أننا نتحدث عن نوعية واحدة من المجاهدين الاستثنائيين في زمن صعب ومكان محاصر، لكن الفرق بين الحالتين ليس في المسافة بين الموقعين وحسب، بل في الظروف التي تطارد الأول، وتلك التي تحتضن الثاني وترعاه، وهو فرق ينبغي ألا يتلاشى من الأفهام عند تطرّق أي كان لفضائل المقاومة وضروراتها، ومحاولة استيعاب حاجاتها وخصائص واقعها.

ومن سلواد إلى (أبو مطيبق) تسامت راية العز والفخار وسقطت رهانات التنسيق الأمني مع المحتل، وتمايز حملة لواء المقاومة عن مشرّعي أسنة الحرب عليها. ولم يختلف شعار المجاهد في سلواد عنه لدى نظيره في غزة، الذي اختلف فقط جدار الاتكاء وحجم الصلاحية التي يحوزها المحتل للعبث في كل ساحة منهما، ونجاحه أو إخفاقه في توظيف وكلائه وإنفاذ خطط إجهاض المقاومة.